السيد محمد الصدر

423

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أقول : ولكنه مع ذلك لم يجمع بين الآيتين من الناحية المعنوية ، وإن كان قد جمع بينهما من الناحية النحوية . إذن ، فالإشكال يبقى مفتوحا من حيث إن الآية الأولى ذكرت أن الإنسان خلق من علق . والآية الثانية ذكرت ثلاث مراحل لخلقته : التراب والنطفة والعلقة . وحسب فهمي : فإن للإنسان ثلاث بدايات ، يصلح أن يكون كل منها بداية للإنسان : البداية الأولى : وهي التراب ، بأحد تقريبين : الأول : لأن آدم من تراب ، كما قال تعالى « 1 » : كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ . فآدم ( ع ) مخلوق من تراب بالمباشرة ، وخلق الناس بالتراب بالواسطة والتسبيب عن طريق آبائهم ، كما أشار الرازي . والثاني : لأن الجسم كله دائما من تراب . وهذا تقريب ( مادي ) من حيث إنه قد يستبعد أن يكون آدم من تراب حقيقة . فيمكن أن يكون المراد : الأجزاء الترابية أو مكونات التراب . ويوضح ذلك : أن هناك دورة بين الإنسان والتراب ، وذلك : لأن النبات يخرج من التراب فيأكله الإنسان ويعود إلى التراب ، فيكون نباتا من جديد . أو نقول : إن التراب يكون نباتا ، فيأكله الحيوان ، فيأكله الإنسان ، فيكون ترابا . ومعه يمكن القول بدرجة من درجات الفهم بالحمل الشائع : إن التراب لحم واللحم تراب . والتقريب الأول عليه ارتكاز المتشرعة ، وظاهر القرآن الكريم . أما التقريب الثاني فهو فهم العصر المادي المتأخر . البداية الثانية : وهي النطفة قال تعالى « 2 » : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . فإن الذي يكون لحما وعظما ليس هو النطفة بل الدم . كما نص القرآن

--> ( 1 ) آل عمران / 59 . ( 2 ) القيامة / 37 .